عام

نحو تحقيق مجتمع بلاتيني وفق رؤية 2050

مقال يعتمد في الأساس على كتاب (ما وراء حدود النمو : أمثلة يابانية للاستدامه)، لمؤلفه هيروشي كومياما، الحاصل على جائزة محمد بن راشد للمعرفة 2015.

 

لا شك أن موضوع الاستدامة من الموضوعات الحيوية والرئيسية لقرننا الحادي والعشرين بالذات، وليس ذلك إلا لأنه توجه يحمل معه تصوراً لحلولٍ ضرورية ومهمة لمشكلات سببتها البشرية لذاتها ولكوكب الأرض خصوصاً في القرن الماضي، أهمها المتعلقة بالبيئة وموارد الأرض وتنمية الإنسان وطبيعة حياته.

والاستدامة في جوهرها توجه الحفاظ على موارد الجيل الحالي والأجيال القادمة، من خلال تطوير أساليب الاستخدام والممارسة.

إحدى أهم الرؤى والنماذج التي تقدم سيناريو مناسباً لمستقبل البشرية، على الأقل للخمسين سنةً القادمة، هو نموذج رؤية 2050 وهو مقترح لكومياما عام 1999، حيث يدور جوهر هذا النموذج وهذه الرؤية حول معالجة مستقبلية لأبرز ثلاثة نماذج تواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين وتتمثل فيما يلي:

  1. الانفجار المعرفي
  2. محدودية موارد الارض
  3. المجتمع الآخذ بالشيخوخة

وخلاصة ما يمكن أن نطلق عليه الحل لما سبق هو بناء المجتمع البلاتيني على حد تعبير هيروشي والذي يقوم على ثلاثة أنواع من الابتكار:

  1. الابتكار الأخضر، للحد من الانبعاثات ومن أهمها ثاني أكسيد الكربون.
  2. الابتكار الفضي، لإيجاد مجتمع ديناميكي.
  3. الابتكار الذهبي، لمجتمع يستمر في تطوير نفسه.

حيث يستعرض الكتاب اليابان والمجتمع الياباني كنموذج في تحقيق هذه الرؤية، حيث أن توجه لينتقل من مجتمع متقدم مثقل بالمشكلات إلى مجتمعٍ متقدمٍ حلّال للمشكلات، من خلال التركيز على نوعين من الطلب، الطلب الانتشاري والطلب الإبداعي، حيث يقوم الطلب الانتشاري على منتج موجود يتم الوصول من خلاله إلى الاشباع، ثم الانتقال بعد الاشباع إلى الطلب الإبداعي الذي يبدأ فيه الاستبدال لمنتجات جديدة ذات خصائص تحقق الاستدامة.

 

وحتى نفهم الصورة الكلية لما تعيشه البشرية الآن من مشاكل، وما يمكن أن تحققه رؤية 2050 من حلول لنستوعب التالي:

يمثل معدل الاشباع لمنتج مثل السيارات هو سيارة لكل شخصين، وهو معدل أصبح متحققاً في مجتمعات كاليابان وأوربا والولايات المتحدة الأمريكية، في حين لاتزال النسبة في بلدان نامية كالهند في حدود سيارة لكل 100 شخص، إلا أن هذا المعدل سيصل سريعا للاشباع في كلٍ من الهند والصين، ولو أخذنا التنبؤ المتوقع للنمو السكاني في العام 2050 فهو حوالي 9 مليار نسمة، أي أن معدل اشباع منتج السيارة سيصل إلى 4.5 مليار سيارة، وهذا سيصاحبه زيادة في معدل انبعاث ثاني أكسيد الكربون، وتخيلوا معي أن المعدل السنوي الحالي هو 6 مليارات طن، ومع بقاء هذا السيناريو كما هو سيصل حجم الانبعاث إلى 22 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يُعرف حالياً بسيناريو (الانهيار).

مثالٌ آخر، يتمثل في معدل انتاج الطاقة من المصدر الأحفوري مقارنة بالمصدر غير الأحفوري، حاليا، يحصل العالم على ما نسبنته 80% من حاجتها من الطاقة من المصدر الأحفوري مثل النفط والفحم والغاز الطبيعي، بمقابل 20% فقط من غير الأحفوري كالطاقة النووية والشمسية والرياح.

ومن تأملنا في المثالين السابقين، تتضح العلاقة القوية بين مصدر الطاقة وحجم الانبعاث، وهنا تأتي رؤية 2050 ليكون بنهايتها قد حصل التحول، ليكون معدل المصدر الأحفوري 60% فقط بمقابل 40% من المصدر غير الأحفوري والذي معه ستنخفض نسبة ثاني أكسيد الكربون أربعة أخماس أي 80% أقل مما هو عليه اليوم.

 

فكيف سنحقق رؤية 2050 ومعها نصل إلى المجتمع البلاتيني؟ لنأخذ المشكلات الثلاث الرئيسية والحلول التي ستجلبها هذه الرؤية وهذا النموذج.

 

أولاً: مشكلة الانفجار المعرفي

قد نستغرب من ذكرنا للمعرفة كمشكلة! والواقع أن الانفجار المعرفي وما صحبه من تطور تكنولوجي أصبح مشكلة، إلا في حالة واحدة وهي ما يطلق عليها هيروشي هيكلة المعرفة، أو تحقيق التكامل في النموذج المعرفي، والذي من خلاله سنصل إلى الاستفادة من النماذج المعرفية الكثيرة لتتكامل في اتجاه تقدسم حل لمشكلاتنا. من المقترحات التي يقدمها الكتاب لتحقيق هذا التكامل هو العمل على تقسيم الأدوار مثلا بين الباحثين، بحيث يعمل نصفهم في البحث العلمي، ويعمل النصف الثاني على إيجاد التكامل المعرفي لما ينتج عن البحث العلمي.

كما يأتي علم الاستدامة ليحقق هذا التوجه في التكامل المعرفي، حيث أن علم الاستدامة يتميز بفرضيات ثلاث وهي:

  1. أنه متعدد التخصصات
  2. أنه يوفر تحليلا تكامليا
  3. أنه يعمل لحل مشكلات عالمية معقدة

ثانياً: محدودية موارد الأرض

يقدم نموذج 2050 لحل هذه المشكلة ما يمكن أن نسميه بالأسس المادية لتحقيق التكامل للصورة الكلية فيما يتعلق بهذا الموضوع وذلك من خلال نموذجٍ شامل يعمل على التكامل في ثلاث دوائر رئيسية تتمثل فيما يلي:

  1. مضاعفة فعالية الطاقة ثلاث مرات، وفي موضوع الطاقة علينا أن نفرق بين استهلاك الطاقة للانتاج واستهلاك الطاقة لاستخدام المنتج. وهذا يتحقق من خلال استخدام التطور التكنولوجي لانتاج منتجات ذات كفاءة عالية جدا في استخدام الطاقة.
  2. بناء نظام لدورة الموارد، وهو ما يقوم على تدوير الخردة واستخدامها، حيث أنه ستوفر كماً هائلا من الطاقة، فإنتاج كمية محددة من الصلب من خام الحديد على سبيل المثال يحتاج من الطاقة ما مقداره 27 ضعف مقارنة بإنتاج نفس الكمية من الخردة، إلا أن هذا التوجه ليس بالسهولة إلا إذا كانت الخردة من السهل تحليلها وإعادة استخدامها بالكامل.
  3. المحافظة على البيئة من خلال استخدام الوقود الأحفوري، وهنا علينا أن نتأمل أن هذا الحل ليس بالأمر السهل، فلو أردنا أن نتحول إلى استخدام المحطات النووية، فالعالم بحاجة إلى ما يقرب من 10,000 محطة نووية، وهذا يحوطه الخطر وخصوصاً في كثير من المناطق التي لا تنعم بالاستقرار إلى الآن.

وهنا تأتي تجربة اليابان كأهم نموذج في استدامة الموارد، فهي تقريبا تستورد كل مواردها من الخارج، ما دفعها للاستفادة من إعادة التدوير والتركيز على صناعة الغابات لتصل للاكتفاء الذاتي.

 

ثالثاً: مجتمعات الشيخوخة

صحيح أن الشيخوخة عامل سلبي على الاقتصاد، إلا أنه ووفقاً لرؤية 2050 وما تحمله بين جنباتها من آفاق إيجابية ومقترحات عملية، يتضح أن الشيخوخة أيضاً هي دليل على طول العمر وسعادة المجتمع، فمجتمع كالمجتمع الياباني على سبيل المثال سيكون في العام 2050، 40% منه في سن الشيخوخة، وهنا يقترح الكتاب السعي لتحقيق هدف الاستمتاع بالعمر الطويل والشعور بالأمان كذلك.

ولتحقيق ذلك يجب تحقيق الإدراك بشروط الشيخوخة الخمس والتي تتمثل فيما يلي:

  1. التغذية السليمة
  2. التمرين الجسدي
  3. التوصل الاجتماعي
  4. الانفتاح الفكري
  5. التفكير الإيجابي

وبتحقيق ما سبق يمكن إدماج المسنين في المجتمع من خلال أهم مجالاته وهو التعليم، حيث يمكن الاستفادة من خبراتهم ومعرفتهم لتقديم بعض الدروس لطلبة المدارس، إضافة إلى مجالات أخرى كالزراعة والصيد، حيث يعتمد هذا التوجه على أهمية التنوع في طبيعة وثقافة المجتمع.

 

وفي الختام، كيف سنحقق المجتمع البلاتيني؟

يعتمد تحقيق المجتمع البلاتيني على التالي:

  • التشجيع على الابتكار، وهو ظاهر من نظريات مايكل بورتر في الاستراتيجيات التنافسية القائمة على صناعة القيمة عبر الابتكار.
  • الطلب الإبداعي وتأسيس المدن الإبداعية، والذي سيحقق التحول من مرحلة الاشباع إلى الاستبدال بمنتجات تسهم في تحقيق فعالية استخدام الطاقة والمحافظة على البيئة وتعزيز حياة سليمة للمجتمع.
  • بناء شبكة المجتمع البلاتيني من الحكومات المحلية والشركات والخبراء، والتي تمثل حركة وطنية لتشجيع المجتمع على التحول المطلوب ، حيث تتضمن هذه الشبكة أربع مجموعات بحسب ما يقترحه هيروشي تركز على ما يلي:
  1. مجتمع صديق للبيئة
  2. حياة نشطة للمسنين
  3. تأثيرات التقنية
  4. تنمية البشر

بقلم د. صالح الهياشي

دكتوراه إدارة مشاريع

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.